التعليق على قرار صادر من الدوائر المجتمعة
قراءة لقرار الدوائر المجتمعة المتعلق بتطبيق الفصل 23 من القانون عدد 37المؤرخ في 25 ماي 1977 وهو القرار عدد 37692 المؤرخ في 19 ماي 2022

انطلق النزاع موضوع القرار عدد 37692 المؤرخ في 19 ماي 2022 ،عند امتناع المتسوغ عن دفع معينات الكراء للمالك طبق ما يقتضيه عقد التسويغ المبرم بينهما لمدة عامين متتاليين ،الذي بمقتضاه أصبح الطرف الأول يستغل المحل الكائن بالمنزه السادس كمقهى، بمعين كراء قدره أربعة عشر الف ومائة وسبعة عشرة 646 مليمات، تدفع كل ثلاثة اشهر ،مع الزيادة فيه سنويا بنسبة 5% وهي المعينات المتعلقة بالمدة الممتدة التي بدايتها غرة جويليا 2019 الى شهر جوان 2020.
فقضت محكمة الابتدائية استعجاليا بإخراجه من المكرى لعدم خلاص معينات الكراء للمدة المذكورة، لكن المتسوغ قام بالطعن في القرار المذكور بالاستئناف ،فقضي بنقض القرار الابتدائي وإرجاع الحالة على ما كانت عليها، لعدم اتباع المالك للإجراءات المنصوص عليها بالفصل 23 القانون عدد 37المؤرخ في 25 ماي 1977 عند قيامه بطلب إخراج المتسوغ من المكرى والمتمثلة في التنبيه عليه بواسطة عدل تنفيذ وإمهاله لمدة ثلاثة أشهر.
فكان الاشكال المطروح هو الاتي : هل ينطبق القانون العام وتحديدا الفصلين 768 و 771من مجلة الالتزامات والعقود بالنسبة للعلاقة القائمة بين المالك والمتسوغ ،إذا كان التسويغ يتعلق بمحل تجاري أم ينطبق الفصل 23 من القانون عدد 37المؤرخ في 25 ماي 1977 استنادا الى الفصل الأول منه الذي أوجب إخضاع تلك العلاقة لمقتضيات القانون المذكور ؟
وبإعادة صياغة السؤال بطريقة أخرى يمكن القول :هل يمكن القيام بدعاوي لإخراج مسوغي المحلات التجارية في صورة عدم توليهم خلاص معينات الكراء بالرجوع الى القانون العام أم لا بد من الاستناد الى الفصل بالفصل 23 القانون عدد 37 المؤرخ في 25 ماي 1977 وإمهال المتسوغ ثلاثة اشهر بعد التنبيه عليه بواسطة عدل التنفيذ ؟
أما الاثار القانونية المترتبة عن تطبيق الفصل 23 ،فهي انفساخ عقد التسويغ بصورة آلية بعد انقضاء الاجل الممنوح للمتسوغ دون توليه خلاص ما عليه من معينات في حين لم يوجب القانون العام مثل ذلك الاجراء ومنح المالك حق المطالبة بدفع تلك المعينات دون تنبيه مسبق .
وهي فوارق لم تتوقف على المستوى الشكلي الاجرائي، كما يمكن استنتاجه من الوهلة الأولى ،بل تتجاوزها الى نطاق أوسع لاتصالها بالاثار القانونية لكل من الدعوتين : الدعوى المؤسسة على معنى الفصلين 768 من الالتزامات والعقود والتي تتمثل في المطالبة بإخراج المتسوغ من المكرى إذا لم يدفع معينات الكراء المتخلدة بذمته فإن قام هذا الأخير بتنفيذ ذلك الالتزام، أصبح له الحق في مواصلة استغلال المكرى، أما الدعوى المؤسسة بالرجوع الى الفصل 23 القانون عدد 37المؤرخ في 25 ماي 1977 فيترتب عنها فسخ العقد الكراء واخراجه من المحل ،إذا لم يدفع معينات الكراء في أجل ثلاثة أشهر من تاريخ توجيه التنبيه اليه من طرف المالك حتى وإن دفع تلك المعينات بعد انقضاء الاجل .
وفي الحقيقة ، فقد أحيل الملف على الدوائر المجتمعة كي تضع حدا لخلاف قانوني ،جعل محاكم الأصل تسلك اتجاهين : الأول يعتبر أن القيام بدعوى الخروج إن لم يدفع جائزة حتى وإن تعلق الامر بكراء محل تجاري، إذ لا مانع في هذه الصورة من حفظ الحقوق المتأكدة باللجوء الى القضاء الاستعجالي ولا من تطبيق مقتضيات الفصول 768 وما بعده من مجلة الالتزامات والعقود بالزام المتسوغ بدفع ما عليه من معينات وتنفيذ التزاماته التعاقدية ، واتجاه مغاير يعتمد الفصل الأول من القانون37 المؤرخ في 25 ماي 1977 الذي نص على انطباقه بالنسبة للعقود المبرمة بين المسوغين والمتسوغين للمحلات التجارية ويرى ضرورة تطبيق الفصل 23 من نفس القانون لا غير.
لذلك حسمت الدوائر المجتمعة في ذلك الخلاف معتبرة أن القيام على معنى الفصل 768 من مجلة الالتزامات والعقود جائز ،والهدف منه إجبار المتسوغ على دفع معينات الكراء دون فسخ العقد الكراء المبرم بين الطرفين الذي يبقى قائما بين الطرفين ما لم تقض المحكمة بفسخه خاصة وأن القانون عدد 37 المؤرخ في 25 ماي 1977 لم يلغ تماما الالتجاء الى القانون العام ،إذ نص فصله 31 على ما يلي : على أن جميع الدعاوي المقامة بناء على تطبيق هذا القانون غير القضايا المنصوص عليها بالفصول 27 الى30 من هذا القانون يقع النظر فيها طبق احكام القانون العام ، أما الدعوى الثانية المؤسسة على معنى الفصل 23 فالغاية منها فسخ العقد وإنهاء العلاقة القائمة بين الطرفين.
فقد اعتبرت الدوائر المجتمعة أن اختيار المسوغ القيام استعجاليا في إخراج معاقده من المكرى إن لم يدفع ما تخلد بذّمته من معاليم كراء، إنّما يد ّل على اتجاه إرادته إلى استخلاص معينات الكراء مع إبقاء العلاقة التسويغية واستمراريتها وليس إنهاءها، إذ لا يمكن مصادرة حقّه في ذلك الخيار وإجباره على اتباع إجراءات الفصل 23 من قانون الاكرية التجارية التي لا تتلاءم ولا تنطبق على المطلب الذي تولى رفعه والتي ستؤول، إن تخلف المتسوغ عن الخلاص إلى انفساخ العقد وانقضاء العلاقة الكرائية.
والرأي عندنا، أنه لا يمكن بأية حال من الأحوال الاقتصار على تطبيق القانون37 المؤرخ في 25 ماي 1977 في خصوص عقود التسويغ المتعلقة بمحلات التجارية وإقصاء القانون العام ،ذلك أن العقد القائم بين الطرفين لا يمكن فهمه ولا تأويل بنوده ولا تطبيقه دون الرجوع الى هذا الأخير باعتباره المرجع الأساسي ،خاصة وان اكتساب الملكية التجارية يتطلب ممارسة نشاط تجاري طيلة عامين متاليين، أي ان اكتسابها ليس آليا فقبل اكتمال المدة المذكور يكون العقد خاضعا للقواعد ومقتضيات القانون العام باعتبار ان المتسوغ لم يكتسب بعد الملكية التجارية .
ونتيجة لما سبق بيانه فإن اكتسابه لتلك الملكية لا يخرج العقد الكراء الذي ابرمه مع المالك تماما من ذلك الاطار بل يضيف إليه استثناء يتعلق بمدة العقد وشروط انتهائه حفاظا على تلك الملكية وضمانا لنشأتها واستمراريتها وما تمنحه من حقوق، أما مجال تطبيق القانون العام فيبقى مفتوحا لتعلقه بالحالات والوضعيات التي لا تتنافي مع مقتضيات القانون37المؤرخ في 25 ماي 1977 باعتباره قانونا استثنائيا يهم النظام العام ولنضرب مثلا لذلك: فلا مانع من أن يطالب المالك بفسخ عقد كراء محل تجاري إذا ما عمد المتسوغ الى تغيير النشاط التجاري المنصوص عليه بالعقد رغم وجود بند يحجر عليه ذلك، أو إذا عمد المتسوغ الى إحداث تغييرات هيكلية بالمحل مخالفا بذلك عقد التسويغ الذي يحجر عليه ذلك دون الموافقة الكتابية صادرة من المالك ، ففي هذين الحالتين وغيرهما يجوز للمالك طلب الفسخ استنادا الى خرق بنود العقد تطبيقا لمقتضيات الفصل 242 من مجلة الالتزامات والعقود الذي ينص على أن ما انعقد على الوجه الصحيح يقوم مقام القانون فيما بين المتعاقدين ولا ينقض إلا برضائهما أو في الصور المقررة في القانون.
أما الأسباب التي أدت الى خلاف بين المحاكم في ما يخص تطبيق الفصل 768 من الالتزامات والعقود فمرده تناول الفصل 23 من القانون37 المؤرخ في 25 ماي 1977 الحالة التي يمتنع فيها المتسوغ عن دفع معينات الكراء .
وقد بين القرار الصادر عن الدوائر المجتمعة الفرق في تطبيق الفصلين من أن الفصل الأول لا يؤدي بالضرورة الى فسخ العقد بل الى إجبار المتسوغ على تنفيذ الالتزام المحمول عليه بمقتضى العقد والقانون ودفع معينات الكراء أما الفصل الثاني فإنه يؤدي الى انفساخ العقد بعد فوات ثلاث اشهر من توجيه التنبيه إليه وامتناعه عن خلاص تلك المعينات .
“هل يمكن القيام بدعاوي لإخراج مسوغي المحلات التجارية في صورة عدم توليهم خلاص معينات الكراء؟”

الأستاذة كاهنة عباس